صديق الحسيني القنوجي البخاري
206
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ أي على أذكارها وأركانها وشرائطها لا يخلون بشيء من ذلك قال قتادة : على وضوئها وركوعها وسجودها ، قال ابن جريج : المراد التطوع ، وكرر ذكر الصلاة للدلالة على فضلها وأنافتها على غيرها ، ولاختلاف ما وصفهم به أولا وما وصفهم به ثانيا فإن معنى الدوام هو أن لا يشتغل عنها بشيء من الشواغل كما سلف ، ومعنى المحافظة أن يراعي الأمور التي لا تكون صلاة بدونها . وقيل المراد يحافظون عليها بعد فعلها من أن يفعلوا ما يحبطها ويبطل ثوابها ، وكرر الموصولات للدلالة على أن كل وصف من تلك الأوصاف لجلالته يستحق أن يستقل بموصوف منفرد ، وقال الكرخي : وفي هذه الصلاة مبالغات لا تخفى وهي تقديم الضمير وبناء الجملة عليه وتقديم الجار والمجرور على الفعل ، وجعل بعض الجمل اسمية مفيدة للدوام والثبات ، وبعضها فعلية مفيدة للاستمرار التجددي . أُولئِكَ الموصوفون بتلك الصفات مستقرون فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ بأنواع الكرامات وهما خبران . فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ أي أيّ شيء ثبت لهم فهم حواليك مسرعين ، قال الأخفش مهطعين مسرعين ، وقيل المعنى ما بالهم يسرعون إليك ويجلسون حواليك ولا يعملون بما تأمرهم ، وقيل ما بالهم مسرعين إلى التكذيب ، وقيل ما بال الذين كفروا يسرعون إلى السماع إليك فيكذبونك ويستهزئون بك ، وقال الكلبي إن معنى مهطعين ناظرين إليك ، وقال قتادة عامدين ، وقيل مسرعين إليك مادي أعناقهم مديمي النظر إليك . عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ أي عن يمين النبي صلى اللّه عليه وسلم وعن شماله جماعات متفرقة وعزين جمع عزة وهي العصبة من الناس ، وقيل أصلها عزوة من العزو ، وكأن كل فرقة تعتزي إلى غير من تعتزي إليه الفرقة الأخرى وقال في الصحاح العزة الفرقة من الناس ، والهاء عوض عن الياء والجمع عزى وعزون ، قال ابن عباس عزين العصب من الناس معرضين يستهزئون به ، وأخرج مسلم وغيره عن جابر قال دخل علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المسجد ونحن حلق متفرقون فقال : « ما لي أراكم عزين » « 1 » . أَ يَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ كالمؤمنين المسلمين قال
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الصلاة حديث 119 ، وأبو داود في الأدب باب 14 ، وأحمد في المسند 5 / 93 ، 101 ، 107 .